الشيخ محمد رشيد رضا

77

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

( كَذلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الظَّالِمِينَ ) ويجوز أن ايراد بمن اتبع موسى وهارون قومهما خاصة وهم الذين بشرهم موسى بأن العاقبة لهم بعد وعيد فرعون لهم عقب خبر السحرة وهو ما تراه في الآية الثانية بعد هذه الآية التي نحن بصدد تفسيرها . وهذه العاقبة قد بينها اللّه تعالى بقوله في سورة القصص ( فَأَخَذْناهُ - يعنى فرعون - و جُنُودَهُ فَنَبَذْناهُمْ فِي الْيَمِّ فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الظَّالِمِينَ ) وقد ختم تعالى ما قصه هنا من كلام السحرة بهذا الدعاء فنذكره تالين داعين رَبَّنا أَفْرِغْ عَلَيْنا صَبْراً وَتَوَفَّنا مُسْلِمِينَ أي ربنا هب لنا صبرا واسعا تفيضه وتفرغه علينا افراغا بتثبيتك إيانا على الايمان وتأييدنا بروحك فيه كما يفرغ الماء من القرب ، حتى لا يبقى في قلوبنا شيئا من خوف غيرك ، ولا من الرجاء فيما سوى فضلك ونوالك . وتوفنا إليك حال كوننا مسلمين لك مذعنين لامرك ونهيك مستسلمين لقضائك ، غير مفتونين بتهديد فرعون ، وغير مطيعين له في قول ولا فعل . جمعوا بدعائهم هذا بين كمال الايمان والاسلام يدل على ما قررناه من المبالغة في طلب كمال الصبر - تنكيره والتعبير عن ايتائه بالافراغ وهو صب الماء الكثير من الدلو ونحوه وأما تصويرنا لحصول ذلك بقوة الايمان فمأخذه من العقل والتجارب ان الصبر من صفات النفس وهو عبارة عن قوة فيها على احتمال الآلام والمكاره بغير تبرم ولا حرج يحملها على ما لا ينبغي من ترك الحق أو اجتراح الباطل ، ولا شيء كالايمان باللّه والخوف منه والرجاء فيه يقوي هذه الصفة في النفس ، ومأخذه من النقل آيات كقوله تعالى في بيان المؤمنين الذين عملوا الصالحات فوجبت لهم الجنة ( 29 : 29 ( الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ) * وقوله فيهم وَتَواصَوْا بِالْحَقِّ وَتَواصَوْا بِالصَّبْرِ ) ومما يناسب المقام قوله ( فَلا تَخافُوهُمْ وَخافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ) ولدينا من نقول التاريخ القديم والحديث ما يؤيد ذلك وقد صرح الذين كتبوا أخبار الحروب الأخيرة بعللها وفلسفتها أن المؤمنين باللّه وباليوم الآخر من جميع الملل أعظم شجاعة وأشد صبرا على مشاق الحرب من غيرهم ، ولذلك يحرص أوسع الناس علما بسنن الخلق ، وأشدهم عناية بفنون الحرب ، - كالشعب الألماني - بالمحافظة على الدين في جيشهم . وللبرنس بسمارك مؤسس وحدتهم ووزيرهم الأعظم بل أكبر ساسة أوربة في عصره كلمة في هذا المعنى أثبتناها في المجلد